كتب هشام العلي
بدأ الحديث بسلامٍ باهت، وانتهى بسلامٍ وربما لم تنتهي.بسلام لا يشبهه، وبين الاثنين اندلعت معركة لا يعرف أحد متى أُعلنت، ولا من أشعل شرارتها الأولى. معركة لم تُدوَّن في أي كتاب، لكنها خلّفت داخلاً منكسرًا، وشيئًا كان يقف فينا بثبات… اختفى.
هناك كائنٌ مالا اسم له—خرج من تحت الركام.
لا أحد يعرف إن كان جزءًا منّا، أم نحن الجزء الذي نجا منه.
يتجوّل الآن كالغريب، يحمل حقيبة من صمتٍ ثقيل، ويبحث عن مأوى لا يشبه الخوف كثيرًا.
يطرق أبوابًا تخصّنا، ثم يتراجع، كأنّه يعرف أنّ العودة لم تعد خيارًا.
يبدو لاجئًا… لكن لا أحد يجرؤ أن يسأل عمّن شرّده.
ويبدو ضحية… لكن لا أحد يعرف الجريمة.
وكلّما اقترب منه القارئ، اكتشف أنّه يبتعد خطوة أخرى نحو الغموض.
يجلس ذلك الكائن على أطراف الطريق الداخلي، يراقب خرائط تمزقت، وحدودًا انزلقت من أماكنها، وبيوتًا كانت لنا… ثم أصبحت لليلةٍ لم نفهمها.
يحاول أن يجد وطنه الأصلي، لكنه يكتشف أنّ الطريق المؤدية إليه صارت أطلالًا لا تشير إلا إلى نفسها.
فيبدأ بالبحث عن شيء آخر—شيءٍ سيّئ بما يكفي ليطابق الندبة التي يحملها—علّه يشبه الوطن بما تبقّى منه.
الأمكنة في الداخل صارت مظلمة، كأنها شهدت حربًا كتمت صراخها.
الوجوه تغيّرت، والهواء تغيّر، وحتى الذكريات صارت تمشي بحذرٍ كأنها لا تريد أن تصطدم بنا مرّة أخرى.
وفي هذا الركام، يظلّ السؤال معلّقًا:
من هو اللاجئ؟
من الذي شرّدتْهُ الأيام؟
ومن الذي يبحث الآن عن وطنٍ مكسورٍ يشبهه ليأوي إليه؟
الجواب لا يُقال… بل يُكتشف.
وبين السلام… والسلام، سيعرف القارئ أنّ الضحية ربما كانت أقرب إليه مما ظنّ.
