كتب هشام العلي...
التاسع من أيار…
لم يكن عيد ميلادٍ عاديًّا،
كان أشبه بإعلان نجاةٍ من حربٍ طويلة،
كأنني طوال الأعوام السابقة كنتُ أعبر فوق حافةٍ ضيقة بين السقوط والخلود،
بين شخصٍ يضحك أمام الجميع…
وشخصٍ آخر يختبئ في الداخل، يراقب العالم بعينٍ متعبة، لكن لا تنكسر.
التاسع من أيار…
ولدتُ مرةً أخرى،
لكن هذه المرة وأنا أعرف تمامًا كم طريقًا عبرت،
وكم بابًا أغلقته بيدي،
وكم وجهًا مرّ كالعابرين،
وكم ليلةٍ جلستُ فيها وحدي، أقاتل أفكاري وكأنني آخر جندي في مدينةٍ منسية.
ها أنا اليوم…
دخلتُ الثلاثين.
الثلاثون التي كانوا يخيفوننا منها،
لكنني وجدتها مختلفة…
وجدتها أكثر هدوءًا، وأكثر وعيًا،
كأن العمر أخيرًا توقف عن الركض، وجلس ينظر إليّ قائلاً:
"لقد نجوت يا هشام… رغم كل شيء."
في الثلاثين،
لم أعد أبحث عن الضجيج،
ولا عن التصفيق المؤقت،
ولا عن الوجوه التي تأتي لتلتقط صورة مع نجاحك ثم تختفي عند تعبك.
أصبحت أبحث عن الصدق فقط…
عن الطمأنينة التي تشبه يدًا تربّت على قلبك دون كلام.
والغريب…
أن هذه السنة تحديدًا،
دخلت حياتي أجمل فتاة.
لا لأنها جميلة فقط،
بل لأن قلبها كان مختلفًا عن هذا العالم المتعب.
قلبٌ حنون… نقي… يشبه الأماكن التي نلجأ إليها بعد الحروب.
كأنها جاءت في الوقت الذي كنت أظن فيه أن التعب أصبح جزءًا مني،
فأعادت ترتيب الفوضى داخلي بهدوء.
جعلتني أؤمن أن بعض البشر لا يدخلون حياتنا صدفة،
بل كرحمةٍ مؤجلة من السماء.
وكل عامٍ وأنتِ أنا…
وأقرب الأشياء إلى قلبي،
وأهدأ وطنٍ سكنته روحي.
في التاسع من أيار…
لا أحتفل فقط بعيد ميلادي،
بل أحتفل بالرجل الذي لم يستسلم،
بالنسخة التي سقطت كثيرًا ثم وقفت،
وبالقلب الذي رغم قسوته الظاهرة…
ما زال يعرف كيف يحب بصدق.
ثلاثون عامًا…
من الغموض، والأسئلة، والانتصارات، والانكسارات،
ثلاثون عامًا جعلتني أفهم أن الحياة ليست أن تصل سريعًا،
بل أن تبقى حيًّا من الداخل مهما حدث،
وأنني ربما… لم أكن يقينًا طوال الوقت،
بل احتمالًا يتشكّل مع كل نجاة.
واليوم…
وأنا أنظر إلى نفسي،
أدرك أن بعض الأعمار لا تُقاس بالسنين،
بل بعدد المرات التي نجونا فيها من أنفسنا.
كل عامٍ وأنا بخير…
وكل التاسع من أيار وأنا أولد من جديد.

















